المدخل 14 وعلى العكس ليس هناك أكثر ثبوتاً من هجرة البيضان نحو الجنوب، فيقال "إن موريتانيا تنزل" (أي يهبط سكانها إلى الجنوب)؛ ويبدو هذا الأمر جلياً من عام لآخر، لأن استنتاب الأمن قد زاد في التوالد لدرجة كبيرة. ويهاجر فائض السكان من ساحل المحيط الأطلسي إلى خط تنبكتو، أي نحو البلاد الزنجية لكسب رزقهم، ولكن هذا الواقع كان أقل صحة في الماضي.
ويشهد التاريخ الديني لبلدان الساحل ولوادي التيجر على تدفق مستمر للدعاة والتجار البيضات، ويكفي أن يجتاز الإنسان كل منطقة الساحل من ماسينا إلى أنيورو كي يرى قرى جديدة من الحراطين تحمل أسماء عربية، وكذلك أثارا لا شك فيها. فلم البيضاني (عربي وصنهاجي) في عدد كبير من قرى إفلان والسونينكه وكا غورو والتكارير ولا سيما كيركنكه؛ وقد انتهت سيادة العرب البضانيين السياسية في الساحل والحوض (حوالي 1850) وتلقفها مشظوف حتى وصول الفرس بين 1891 – 1892. وإلى الجنوب من أنيورو وكونث وكولو وإلى الشرق من تنبكتو وكوندام كان السفوذ الفرنسي يعم شيئا فشيئا القبائل البيضانية والتي كان حد اصطناعها يفضلها عن أراضي الزنوج الذين وقعت بلادهم تحت الاحتلال بصورة فعلية، وكان ذلك النفوذ يقوم على خلط من دبلوماسية حذقة واستعراض للقوة مما أعطى نتائج ممتازة.
وقد تم إنجاز هذا العمل السياسي على الخصوص بواسطة قبيلة أهل الطالب مختار بده من [الشيخ] سيدي الخير، وفي نفس الوقت ابن أخيه [الشيخ] التراد بن [الشيخ] الحضرمي، ذلك العمل القائم على الملاطفة والنصيحة والتهدئة. أما بالنسبة لاستخدام القبضة القوية فدينا مثل من خلال الأسطر التي أرسلتها النقيب سانساريك Sansaric حاكم كونث في شهر شتنبر من عام 1893 إلى النقيب محمد راسين حاكم كونث، "ما دامت قبيلة مشظوف التي لم تعلن طاعتها للمختار الشيخ مبتعة عن تقديم خشوعها حاول استدراجهم (أي انتظار الظرف المناسب لتوقع بهم العقاب الذي يستحقونه) وذلك بأن ترسل واحدا أو اثنين منهم لإطلاع رؤسائهم على ما سيلقونه من تنكيل في كل مرة تسنح لنا فيها الفرصة بذلك. ويمكنك أن تلفت نظر المختار الشيخ ابن احمد محمد بن حميد) والأميين الذين هم ليسوا أعداء لنا، بأننا سنكون سعداء دائما برؤيتهم في أراضينا وأنك بقول شرط قطعي هو تطبيقي أوامرنا. ثم نضيف "لا أريد أن أرى أي بيضاني في بلاد إفلان". ومن الممكن الاعتقاد أن هذه التعليمات قد جرى تطبيقها بكل دقة، غير أن هذه الفترة التحضيرية (1897 – 1912) لم تتخللها إجمالا أية صعوبة حقيقية. وفي ما بين عامي 1906 – 1907 كان جليا أن كل القبائل في حالة انتظار مجيء "قائد" مغربي على رأس قوات مسلحة ببنادق سريعة الطلقات، وتلقى زعماء مشظوف وأولاد