Facsimile · p. 17
«الحضارة» تلك الأحداث، رغم توتر علاقته بمحررها أحمد عثمان القاضي. وقد شجعه نجاح تلك التجربة في المدن الثلاثة فأرسل منشورات لأعيان الأقاليم يطلب فيها دعمهم لتلك الحركة التي أصبح راعياً لها. لكن نجاحات السيد في عالم الأفندية لم تكن شاملة. فقد كانت العناصر المحافظة والأكبر سناً لا تزال تذين بالولاء للسيد المصري، ورغم أن الأخير كان خيوراً من منافسه إلا أنه لم ينازله حينذاك في مجال المثقفين الشباب، وبذلك تربع السيد عبد الرحمن بساحتهم. ويبدو أن السيد بحلول نهاية عام ١٩٣٥ كان أكثر الأعيان السودانيين شعبية بين أوساط المتعلمين والشباب الجامحين فكرياً للسياسة(٢٦). لكن في الوقت الذي استعان به السيد لأغراضه الخاصة من علاقته بالمتعلمين، فإن بعضهم بالطبع قد استفاد منها إذ بدأ أنهم كانوا ينوون وضع تلك العلاقة جانباً والتخلص منه حينما يشعرون بأنهم أقوياء، بما فيه الكفاية. لكن الوفاق مع المتعلمين أسهم في تقوية وبروز السيد ، كما شجعهم رعايته لهم على أن يعبروا بصراحة أكثر عن رفضهم عن الحكومة وقد حدث ذلك تحديداً بعد عقد الاتفاقية الانجليزية - المصرية عام ١٩٣٦ ، وفي هذا أمين التوم مرة «شكراً لإتفاقية عام ١٩٣٦ إذ أيقظتنا من سبات طويل عميق حقاً» فإن هذه الجملة تعطى تحليلاً صحيحاً وقاطعاً لردة فعل السودانيين من ذوي الوعي السياسي تجاه تلك الإتفاقية. وفى تلك الإتفاقية سمح البريطانيون الوفود قدر من النفود المصري للسودان. وأهم من ذلك وافقوا على إرجاء قضية السيادة على السودان لمدة عشرين سنة أخرى. وتسبب ذلك على أقل تقدير في إثارة شكوك السيد عبد الرحمن في نوايا البريطانيين بالسيادة خاصة حينما فشل خلال زيارته لندن عام ١٩٣٧ في الحصول على تأكيدات من الحكومة البريطانية بأن السيادة ستنتقل للسودانيين. وقد تزايد قلق السيد من أن البريطانيين قد يتخلون عن تعهدهم للعمل من أجل سودان مستقل قريباً، لمصالحهم في مصر التي كانت تتخلوا عن ذلك. لقد أصبحوا حقاً من قبولهم لذلك الأمر في الأربعينيات وتوج ذلك بإبرامهم بروتوكول صدقى - بيفن عام ١٩٤٦ الذى أقروا فيه بسيادة مصر على السودان، بغض النظر عما إذا كانت تلك السيادة إسمية أو فعلية، وأقروا فيه بوحدة وادي النيل تحت التاج المصري. كانت هذه المعاهدة مخيبة لآمال المثقفين، من مؤيدي مصر ودعاة السودان للسودانيين على حد سواء، فقد أدركوا وقتها أن من غير المعقول ومن العبث أن يركنوا لأحد طرفي الحكم الثنائي لتحقيق تطلعات أمتهم. أن السبيل الوحيد لذلك، كما أفتتوا ، هو خلق كيان وطنى يكون ناطقاً باسم السودانيين جميعاً، وعلى ذلك الأساس تبارت الاتجاهات - باختلافها فى الرأى السياسي - فى تقديم ما تراه من مقترحات وقد أقترح ١٥