Facsimile · p. 69
وبمرور الزمن بدأ انتاج المناجم يقل شيئاً فشيئاً حتى توقف تماماً في أواسط القرن الرابع عشر الميلادي ، بعد أن غطتها الرمال ولعل السبب في تدهورها يرجع أولا لخوف أصحابها من هجمات البجة والأعراب ، كذلك فإن الأنتاج لم يكن يغطى النفقات ، ثم أخذ العاملون في أرض المعدن يبحثون عن نشاط آخر متجهين الى الداخل جنوبا .
ومن هنا فان الهجرة العربية الى بلاد النوبة على أرض المعدن يتوقف على هذه المناطق الشمالية من النوبة بل توغلت جنوبا الى عاصمة مملكة ( علوة ) في مدينة ( سوبا ) بل أكثر جنوبا . وقد وجدت آثار مدينة سكنية ، ريبة عانت لأكثر من قرن في الفترة من ( ٨٢٥ ـ ٩٤١ م ) في ( خورنبت ) على بعد سبعين ميلا شمال شرق محطة (هبا) ومن المرجح أن سكانها كانوا يعملون بتربية الابل والاتجار فيها ، ولقد لعبت هذه الابل دورا هاما في نقل الحجاج والبضائع بين الصعيد وموانئ البحر الأحمر وفي أرض المعدن كما عثر في بعض الأماكن في النوبة السفلى والعليا ، على كثير من الكتابات العربية ، ويرجع تاريخ أقدمها الى تاريخ القرن الثالث الهجرى ، كما عثر على شواهد قبور تحمل أسماء عربية بتاريخ ٢١٧ هـ / ۸۱۳ م وفى منطقة كلابشة عام ٣٢٥ هـ / ٩٣٧ م .
هذه العناصر العربية التي هاجرت الى تلك المناطق ثم أقامت على هذا النحو سرعان ما تركت أثرا واضحا في تاريخ البلاد وحياة السكان. وقد انصهرت مع أهل البلاد الأصليين واختلطت بهم وعاشرتهم وقد ترك هذا الاختلاط أكبر الأثر في الوافدين وأهل البلاد على السواء ، فإننا نجد الوافدين تسربت فيهم . الدماء النوبية وغلبت عليهم السمرة وعلى سلالتهم ، كذلك فإن أهل البلاد المحليين خالطتهم الدماء العربية واعتنقوا الإسلام وتعلموا اللغة العربية .
هذا التطور من الاختلاط والذي له عظيم الأثر في تاريخ البلاد ، تنهض الأبحاث الأثرية لتثبته إثباتا لا يدع مجالا للشك .