Facsimile · p. 402
٣٩٦ من معه من مقدمي العسكر ولم ينج الا بضع عشرات عادت بهم السفن الى الخرطوم وما انتشر نعي القتلى حتى ضجت البلد بالعويل والبكاء من كل صوب ودرب وحزن غردون حزنا عظيما وكاد يستسلم للقضاء المحتم وقد جاءته أخبار جواسيسه بزحف الخارجى على الخرطوم فنظر فلم ير أمامه بابا يلجه في طلب النجدة الا استعطاف السير بارنچ بمصر لعله يفرج كربته بنفر من العساكر الانجليزية سوى ارسال الكولونيل استيورت الذي كان في ركابه من الخرطوم الى دنقله ومنها الى القاهرة مزودا بالرسائل والكتب بطلب النجدة فانحدر استيورت هذا من الخرطوم على احدى البواخر فى أخريات ذى القعدة من السنة أي سنة احدى وثثمائة وألف وتبعه باخرتان تحملان بعض المقاتلة والمحدر معهم كذلك نفر من المهاجرين يريدون اللحاق بدنقله فينماهم فى طريقهم خرج عليهم العدو وجعل يطلق عليهم بنادقه وهم يجدون المسير حتى وصلوا بر بر فرجعت باخرتا الحرس بمن فيها من المقاتلة وانطلقت سفن المهاجرين تمخر فى النيل وخلفها باخرة استيورت تشق عباب الامواج والعدو من ورائها وعلى يمينها وعلى شمالها يطلق عليها نيران البنادق الى أن قطعت الشلال الاول واستيورت يحث ربانها على الاسراع فى المسير أكثر فأكثر حتى ارتطمت بصخر عظيم ولم تكن الا لحظة حتى دخلها الماء وملأ جوفها فازعج استيورت ولم يوفق لنكد طالعه الا الى القاء المدفع الذي كان معه وسائر الذخرة فى الماء وأنزل متاعه في زورق وسار به من كان مععه من الخدم والاتباع الى جزيرة فى وسط النيل ونزل بها فأشار عليه بعض من كان معه أن يسير بالزورق الى حدود دنقله ثم يرسل من يحمل الخدم والاتباع فامتنع من ذلك ولم يققبل لنفاذ القدر المقدور وبينهم فى تردد وحيرة اذ أقبل عليهم جماعة من أهل السلامانية ونادوا بأنهم فى طاعة الحكومة وأنهم على عهد الخديوى فأرسلوا لنا بنفر منكم لنتكلم معهم فصدق استيورت كلامهم وأرسل اليهم جماعة من الأتباع وملاخى البارحة فعبوروا النيل والتقوا بأولئك القوم وسألوهم عما اذا كانوا باقين على الطاعة فأقسموا أنهم على ذلك فعاد رسل استيورت وأخبروه بالخبر وباتوا ليلتهم تلك بالجزيرة فلما أصبحوا جاء اثنان من القوم يقولان لاستيورت ان شيخ القرية قد عاد من غيبته وعلم بما أصاب باخرتكم فجهز لكم ما يلزم من دواب الحمل وهي فى انتظاركم بالجانب الشرقى من النيل فان شئتم فاعبروا وامطوها وسيروا على بركة الله - قال ففرح استيورت بذلك وعبر مع من كانوا معه وهم زهاء خمسة وأربعين ونقلوا متاعهم فلم يجدوا غير سبع من النوق ضئيلة فقالوا لهم ان الفرق آتية الساعة فلبثوا فى انتظارها حتى قريب الزوال وبينما هم كذلك اذ جاء رجل من أهل القرية يقول لاستيورت ان الشيخ أعد لكم طعاما فهما كانوا واشربوا هنيئاً مريئاً فقام استيورت من ساعته ولبس ملابسه كأنه ذاهب الى وليمة أحد الاصدقاء ولم يأخذ لنفسه شيئاً من الحيطة أو الحذر وسار معه قونسلا النمسا والفرنسيس اللذان نزلا معه من الخرطوم وترجمانه فلقاهم أهل القرية بالترحاب وبشوا فى وجوههم وأدخلوهم في مكان فسيح كان فيه خمسون