Facsimile · p. 294
٢٨٨ حاسرى الرؤس حافى لاقدام فيزجونهم فى الحبوس بقشلاق حرس الخديو برحبة عابدين والناس خلفهم يترأحمون وهم فى دهشة وحيرة فكنت لا تسمع فى تلك البيوت الاويل النساء وبكاء البنين والبنات وتأوه الشيوخ وكان كل من أودع السجن منهم وكلوا به من يذوقه من العذاب فكان الواحد منهم يقضى بياض يومه وسواد ليله واقفا على قدميه وأمامه الموكل به فاذا أعض الجفن لكمه أو وخزه فينتبه وعيناه تذرفان الدمع فاذا خر على الارض أو سقط مغشيا عليه من شدة التعب دهمه ذلك الموكل بالضرب واللكم المتتابع فيسترحم وليس من يرحم * قال وكانت حبوسهم مجردة عن كل ما يحتاج اليه المسجون كجرة للماء مثلا أو صحفة للطعام أو حصيرة للرقاد أو مصباح للضوء وكان ضجيجهم لا ينقطع وعبراتهم متراسة فأثر هذا الحال فى الكثير من جند الحرس أمرا مؤلما فضجروا وكادوا يخرجون عن طاعة كبارهم فلم ينتبه رجال المحاس العسكرى الا وجند الحرس على أهبة التخلى عنهم فتداركوا الأمر وجعلوا باعقاب فحاروا وظلموا وأغضوا جفن الطمان على وسادة الانتقام فلا حول ولا قوة الا بالله * قلت وطار خبر هذا الحادث الى الافاق فأرسل السلطان في خامس جمادى الآخرة الى الخديوى يسأل عن ذلك وكتب أحمد الشراكسة الى احدى صحف الاخبار الاجنبية يقول قد نزل آباؤنا بديار مصر من عهد ليس بقصير فكانت هي مسقط رؤسنا وأرض نشأتنا وقد تربينا تحت سمائها وتلقينا من علومها وفنونها أشكالا فقمنا بواجب شكرها وأخلصنا فى خدمتها أعواما طوالا و بذلنا النفس والنفيس فى تلبية داعي تقدمها ودافعنا عن مجدها باقتحام الحروب الروسية وتجشم الخطوب الهائلة الدموية فخدمناها خدمة الابرار الباتر باويه وما زلنا على هذه الحال حتى وسوس شيطان الحسד فى صدور أهل البغى والفساد فرموا بعضنا بالفجور والتألب على اغتيال النقوس التى حرم الله قتلها وقبضوا عليهم قبض الوحش على فريسته وكبلوهم فى قيود الظلم وألقوا بهم فى حبوس الهوان وأذاقوهم مضض اللكم والوخز وأليم الأخذ والرد وحرموهم لذة الرقاد . وأحرقوا منهم الأكباد بنار الجوع كل ذلك بلا ذنب جنوه ولا خطا ارتكبوه فالله حسبنا ونعم الوكيل الى أن قال وحيث ضاقت بنا أرض هذه البلاد وقد أصبحنا مضغة فى أفواه قوم لا يخشون يوم الميعاد فقد عزمنا على الرحيل الى الدنيا واسعة الفضاء وقد عينا أنفسنا لنا دمة أمير المؤمنين لاغير والسلام اهـ فأعجب الناس بهذه المقالة وحنوا الى جماعة الشراكسة وعابوا على زعماء عصابة الجند فعالهم * فلما كان حادى عشر جمادى الآخرة حكم المجلس العسكرى على هؤلاء الضباط بالنفى والتعبيد المؤبد الى أقصى السودان وكانوا مائة وأربعين وبينهم عثمان رفق باشا مع تجريدهم من كافة رتبهم العسكرية وامتيازاتهم ونياشينهم وأن يكونوا متفرقين فى أنحاء السودان بعيدين عن مراكز المدن والبنادر والسواحل النيلية وحكموا كذلك على اثنين من موظفى الحكومة بالنفى والتغريب مع تجريدهم من كافة حقوقهم المدنية وحكموا على راتب باشا السردار الذى عدّ زعيم هذه العصابة بالتجريد من رتبه العسكرية وامتيازاته ونيشينه وحرمانه