Facsimile · p. 24
21 وفي طريق السيارات السريع بين جدة ومكة كانت تأتيه الحالة وتحدثه نفسه أن يقف وسط طريق السيارات ويلقي بنفسه أمامها، ولن يصيبه مكروه ألنه من أولياء هللا الصالحين، فإذا وصل إلى حافة .ًالطريق أفاق وابتعد هاربا .تكررت الحالة معه مراراً ويفيق في اللحظات األخيرة وفي ذات ليلة وهو يمشي إلى مكة في صحراء مقفرة احتوشته كالب كبـيرة وأخذت تنبح وكأنها تريد أن تهاجمه، وبدون أن يتكلم إذا به يسمع صوتاً كالصفير والوشيش كأنه يزجرها، فأنزلت ذيولها وولت هاربة، فالتفت ليرى مصدر الصوت فلم ير أحداً !! والصحراء ممتدة ال يرى فيها منا زل وال بيوت وال بشر؟! والحظ على نفسه أن لسانه كان يلهج مولعاً بسورة الملك في حالة اإلفاقة والغيبوبة، يسيل تالوة .بسورة تبارك كلما أتمّ قراءتها أعادها بشكل تلقائي ًوعاودته الحالة في مكة فمشى إلى جدة مشياً، وهذا كله تم في يوم واحد، عاد بعده إلى مكة، كان يوما .واحداً لكنه مرّ عليه كسنة كاملة؛ كانت الحالة تهجم عليه يوماً أو يومين ثم تتركه أسبوعاً ثم تأتيه.. وهكذا .وكانت تخف وتكون في أقل درجات وطأتها إذا كان في مكة بخالف ما إذا كان في اليمن أو جدة ومرّة نزلت به الحالة؛ فتوجه إلى المدينة المنورة فوصل منطقة بدر وهي قرب المدينة، ونزل يمشي في .الصحراء في مناطق يقال لها الصفراء والحمراء بالقرب من بدر وظل يمشي ويطوف على رعيان الغنم باحثاً عن عمل فكان أهل الغنم يشاهدون أبا عبدهللا وهو يرتدي مالبس نظيفة ومُكَوّاة فيخافون منه ويظنونه رجل مباحث أو ما شابه، فنظافة مالبس ه توحي بأنه ميسور !الحال فكيف يذهب إلى البدو ليرعى الغنم؟ فمرّ على صاحب مزرعة وفيها بـئر وكان لديه عامالن من السودان يعمالن على إصالح ماطور شفط .المياه، وكانا متسخين من آثار الزيت والشحم األسود والغبرة تعتريهم ّقال أبو عبدهللا: وجئت بمالبسي النظيفة المكو .اة وغترتي البيضاء وقلت لهم أريد أن أعمل معكم، فارتاب صاحب المزرعة وقال: سألتك باهلل ألست من المباحث؟ كأنك مرسل على عمالنا السودانيين، وتريدهم أن يقبضوا علينا؟ ولكن لعلمك أن لديهم إقامات ! ويعني باإلقامات أنهم يقيمون في المملكة بتصاريح رسمية وأن وثائقهم ن .ظامية المهم ! استمرّ على هذه الحالة أسبوعاً، كان كلما جلس لدى أحدٍ في مطعم أو في سكن عمال أو استقبله .أحد، تأتيه الحالة فيتركهم ويذهب قال: وذات مرة وأنا أسير إذا بأناس أوقفوا سيارتهم وسط الصحراء ويتحدثون، فجئتهم وسألتهم عن مزرعة سمعت عنها يسمونها مزرعة .النهاري ويقولون أنهم بحاجة إلى عمال فقالوا: إنها بعيدة، فسألت بأي اتجاه، فأشاروا عليه، وعندما هممت بتركهم والذهاب باتجاهها، استوقفوني .وقالوا إذا وجدت سيارة ركبت ألن الذئاب ستأكلك فالطريق مليئة بها، وكان ذلك معروفاً في تلك المناطق قال: فظللت أتجول هناك .على هذا الحال وبدون اإلقامة، وسلم هللا عز وجل .وبعد تمام األسبوع أفاق ورجع إلى مكة يوم خميس !فجلس يومي الجمعة والسبت في بيته فسأله أخوه صالح: أين ذهبت واختفيت خالل هذا األسبوع؟