Sudan Archive

Open the original scan

كيف جمعت ثروتي صحب الحكم الاجنبي مثلاً جديدة، قيماً لا عهد لنا بها، واخذت هذه القيم تتغلغل في النفوس تدريجياً وتحول نظرة الناس للحياة شيئاً فشيئاً حتى أصبح الجيل الذي نشأ في ظل الحكم الثنائي يعتبر العمل والكسب المادي شارة النجاح، ولم يكن العمل والكسب المادي من المثل المرموقة أبان المهدية بل كان التقشف والاستشهاد في سبيل دين الله هما غاية ما يسمو اليه رجال الطليعة في ذلك العهد، لذا فقد عجز رجال الدين تضربوا بمبادئ المهدية واكتملت شخصيتهم في عهدها من مجاراة الحياة في عهد الحكم الاجنبي فمنهم من حاول ان يقوم بثورة مسلحة مثل ود حبوبة ومنهم من انصرف كلياً عن الحياة الجديدة، وقع في داره منتظراً أخرته.

وكنت انظر للأمر من زاوية مختلفة فكنت أرى ان الثورة المسلحة آنذاك اقتضى عليها بالفشل، وكنت ارى في الانصراف عن الحياة هذيمة لا ارضاها اذ كنت اعتقد ان واجبي يحتتم على ان احافظ على تراث المهدية حتى لا تذهب تلك الصفحة المشرقة من تاريخ بلادنا هباء. أخذت في اول عهد الحكم الثنائي اتصل بالأنصار وأرسل إليهم المبعوثين لكي ترتفع روحهم المعنوية فيحافظوا على عهدهم ويتمسكوا ببيعتهم للإمام المهدى وفي الوقت الذي كنت اتصل فيه بالأنصار كنت أيضاً أفكر ان اعمل وأكسب كسباً شريفاً ولكن لم يخطر على بالي آنذاك ان اعمالي ستتسع هذا الاتساع ولم يخطر على بالي ايضاً ان الثروة التي كنا ننكرها في المهدية ستكون درعاً يحمى الأنصار وسبباً لكسب وطنى عام.

خطر لي ان أذهب لأبا وأحاول ان اجد هناك طريقة لكسب العيش وتحسين حال الأنصار والأهل وأطلعت الحكومة على نيتى هذه واتصلت بسلاطين باشا الذي لم تكن الحكومة تبرم أمراً بخصوصى الا بعد مشورته، وبعد لأى شديد وافقت الحكومة على سفري، كان ذلك عام ۱۹۰۸ وسافرت لأبا من أم درمان بالدواب وكان في صحبتی قليل من الأنصار. وفي أبا اخذت انظف الأرض من الأشجار والحشائش كي أعدها للزراعة فاعترضني بعض الأهالي القاطنين هناك كما وقف في صفحى آخرون واشتد النزاع الى ان رفع المعترضون قضية امام مفتش كوستى المستر لايل وقال لي المفتش اننى لا اعترف لك ٥٦

Text produced by OCR — report an error