Sudan Archive

Open the original scan

فيه ألا يعيش في عالم تقهر فيه عقيدته. لقد أمن الأنصار إيماناً لا ريب فيه أن الموت بداية الحياة الحقة فلا يخشى الموت إلا من ساء صنيعه في الحياة الدنيا. أذكر أني كنت وأخوتي لا نشكو حين ينقطع عنا الطعام ونظل يوماً أو بعض يوم لا نجد أكلاً فقد طبعنا على الصبر وكبح جماح الرغبات وأذكر أننا كنا نسمع بعض الهمس من المشفقين والعاطفين ونسمع من يستنكر ما نعانيه نحن أبناء المهدي من جوع وحرمان ولكنا ما كنا نعبأ بذلك الهمس وكان الخليفة يعلم ما نحن عليه من جوع وحرمان وكان من جانبه دعوة تطهير للنفس وتقرب للواحد الديان. ولم يكن ما لدينا من مأكل وملبس يفوق في شئ ما لدى عامة الأنصار، وكان الأنصار لا يعرفون للحياة إلا أنها عبادة وتقوى وجهاد في سبيل الله ومن أجل هذه الغايات السامية كانوا يعيشون، لا يزيدهم أذى الفقر والمترية إلا قوة في الاندفاع نحو غايتهم وقد جمع الإمام المهدي حكمة هذه التربية في قوله : « حفت الجنة بالمنكاره والنار بالمنعم » كانت حياة الناس في البقعة (أم در) تعبئة دينية متواصلة فينادي منادى الصلاة في الفجر فتلبى المدينة على بكرة أبيها وإذا بالله أكبر تدوى قملأ الفضاء جلا وروعة وإذا بالمصلين يتوافدون فيضيق بهم المسجد على رحابته ، قد ربطهم إخاء في الله وزمالة من أجل دين الله وربطهم حب الإمام الذي عبرت سيرته القويمة الآفاق وأذهلت حوادثها المجيدة العقول وأدت نتائجها الباهرة إلى وحدة الكلمة حول عقيدة التوحيد وطهارة النفس ورفعة الأخلاق. لقد حرص الإمام المهدي على مستوى رفيع في كل شئ وكان يوجه أحبابه ليحسنوا في كل وجه من الأوجه حتى الشكليات فيكتب لهم مثلاً في الحرص على إجادة الخط فيقول: « الحمد لله الوالي الكريم والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله مع التسليم ، وبعد ؛ فمن عبد ربه محمد المهدي بن عبد الله إعلاماً منا لجميع كتاب أحكام المهدي وأنصار الدين ، أما بعد فالله تعالى قال في كتابه العزيز { واحسنوا أن يحب المحسنين } فحيث فهمتم فلابد من تحسين الخط وتجويده وعدم تغيير الحروف وقلب معانيها فقد أهلك الله المغبرين ودمرهم فاتركوا خطهم ولا تسلكوا سنتهم الله الرحمن الرحيم والشين من الشيطان الرجيم وأعطوا الحروف حقها كما أنزلت وحسب ما عهد فيمأ سلف وتعليق الكاف والهاء، على هذه الهيئة فإياكم واجتهدوا في أخذ حذركم عنها كي تعودوا أيديكم على كتابة القرآن واحفظوا أمرنا هذا واعلموا به الجميع ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم .. ( ۳۰۰ ھ ). وحرص الإمام المهدي على تطهير الحياة الاجتماعية من عبارات اللهو والعبث والألفاظ ۲۸

Text produced by OCR — report an error