Facsimile · p. 167
بالفلسفة السـيد عبد الرحمن في العدالة الاجتماعية حيث ذاق مرارة الحرمان في نفسه وتذوق حلاوة البذل والانقاذ من غيره . لقد اقترنت هذه المدرسة السادسة : مدرسة النبوغ المحروم بكفاح مشترك وفي عهد كان فيه المواطنون يتطلعون إلى المدن والقرى والبـوادي على السواء ، للمزيد من التعليم في كل فروعه وأنواعه للبنين والبنات فتجـند لذلك عدد كبير من ذوي الدرايـة والخبرة والإيمان ، برسالة التعليم فخاضوا المعركة ضد الجهل والتخلف والرجعية مشـيدين دور العلم والمعرفة .. لقد برز من بين صفوف هذه الأجناد المجندة الشيخ الراحل بابكر بدري المعلم الموهوب والأنصاري المحارب فاجتمعت بذلك فيه خصال الجهاد التليد والطـارف فانضوى تحت راية التحرير الفكري التي رفعها الإمام عبد الرحمن مع قيادة ألفها منـذ نعومة الأظافر فكان ساعداً قوياً ورائداً صلب العزيمة . وجد السـيد عبد الرحمن في الشيخ بابكر بدري كنزاً من التجارب والمعرفة وذكاء الفؤاد ووجد الشيخ في ابن المهدي قائداً ملهمـاً مشتمل الحماس للإصلاح فاكتملت بذلك الـعدة للجهاد واصبح الرجلان يـنـفـذان فأثمر ذلك مزيداً من التعليم والمعرفان . لقد كانت مجالس الإمام عبد الرحمن تكاد لا تخلو من الشيخ بابكر بدري وكان الشيخ يكاد لا يتردد على غير السيد عبد الرحمن وقد جمعت بينهما فلسفة اجتماعية قوية توحد المشاعر والوجدان . يظهر مما تقدم أن مثل السـيد الإمام عبد الرحمن في نشر العلم والمعرفة بين مواطنينه مثل الخليفة المأمون العباسي في تفهمه لضرورة العلم وأثره العميق في نهضة الأمة . وكان كلامـام الغزالي في تجديده وبـحـثـه وراء الحقيقة غير المـتـيدة منطق الفكر يـهـمه الجوهر والـلـباب. وكان كـابـي عثمان الجاحظ في حب القراءة والتحصيل والـحـث على منـادمة الكتب . وكان كـابـن قـتـيـبة في جمع الأخبار والمعلومات ، جمع في شـخصـه خصـائص أولـئـك السـادة الأعلام يـزيـن ذلك تقوى له تعالى منـبـثـقة من التراث الديني الجهادي الذي أحاط به وتواضع جمع يـنـشد به المعرفة محققا قول الرسول : « خذ الحكمة ولا يضيرك من أى وعاء خرجت » . . كل ذلك توجه الإمام عبد الرحمن بفلسفة اجتماعية تربوية عظمى وهي أن يجعل من نفسه قدوة حسنة في كل أقواله وأعماله .
١٦٥