Facsimile · p. 423
٤١٧ نيران مدافع العدو من كل صوب وتراسلَتْ عليها القنابل من طوابي الخرطوم وطوابي معسكر المهدى واشتدوا عليها جميعا بالرمى فتأمل آرل ومن معه حينئذ فرأوا أن الخرطوم جميعها قد تهدمت وأن منازل الحكومة قد تلاشت فلم يبق منها حجر على حجر فأسرعوا منصدرين بالسفن فلم يتمكنوا من ذلك وقد أصابت قنابل العدوّ اثنتين من السفن فأغرقتهما بما كان فيهما ونجبا ولسن ومن معه وطلعوا الى احدى الجزر الواقعة أمام البلد وتمكنت السفينة الثالثة وكان عليها الكولونيل ورتلى من النجاة فانحدرت مسرعة الى حيث مقدمة الجيش وأخبر ورتلى بما جرى فطيروا الخبر بذلك الى ولسلى مقدم الجيوش فأخذ في الحال يخابر صاحب سياستهم على لسان البرق من دنقله الى لندن عاصمة السلطنة الانجليزية مباشرة واختلط على ولسلى يومئذ الحال وفسدت تدابيره وانعكست آماله وقام أصحاب صحف أخبارهم وقعدوا وعلمت ضوضاؤهم واشتدت جلبتهم وكلهم مجمعون على فساد رأى زعيم سياستهم وسوء تدبيره فى ارسال جيش ولسلى وجعلوا يتكهنون بما أصاب غردون وما حل بالضعفاء من أهل البلد من النساء والاولاد حتى قال بعضهم ان حامية الخرطوم كانت صادقة فى الخدمة أمينة اذ كان غردون يقول لهم كل قليل من الايام انه انما قدم اليهم من قبل الخديوى وأمير المؤمنين السلطان عبد الحميد فكانت واثقة من صدق الرواية دائبة على الطاعة وحسن الولاء فلما رأت رأى العين قدوم العساكر الانجليزية بأكسيتهم الحمراء وقبعاتهم الحديثة والمقعرة كذبت الرواية ومالت عن غردون وأبغضته ففتحت للعدو أبواب البلد فولجها وأعمل فيمن بها السيف ولربما أصاب غردون ما أصاب آحاد الناس * قلت وحدثني فى هذا الحين رجل ممن فرّ ناجيا من الخرطوم قال كانت جميع القبائل الضاربة حول الخرطوم الى ما قبل سقوط البلد مخلصة فى طاعة الحكومة الخديوية غير هابة للخارجي ولا مصدقة لدعواه ولا هى حاسبة له حسابا حتى تبدلت أحوال غردون واختلط عليه التدبير وساءت أعماله حيث أمر بتخريب المقام الخوجلى الواقع على قيد غلوة من الخرطوم وبقتل خدام المقام وخليفته فنفرت عند ذلك جميع القبائل أى نفور وأخذوا من ذلك اليوم يضيقون على البلد ويمنعون عنها الوارد من المأكل حتى اشتد الجوع بمن فيها من الجند والناس فأكلو الصيغ والحمار أياما حتى سقطت البلد وقتل غردون ذبحا ومثلوا بجثته تمثيلا شنيعا اه وأرسل ولسلى سفينة لتأتى بالجنرال ولسن ومن معه ممن تركوا بالجزيرة بعد غرق السفنتين كما تقدم الكلام فأتوا بهم بعد العناء الشديد وقد عثروا في طريقهم بخمسة رجال من الفارين من البلد فأتوا بهم الى ولسلى فأخبروه بمقتل غردون وما جرى عليه وكيف مثل العدو برأسه تمثيلا شنيعا فى أم درمان وأكدوا ذلك بالأدلة والأيمان الغلاظ فطير ولسلى الخبر بذلك الى صاحب سياستهم قيل فاختلط عليه الحال واختلف مع أصحاب الحل والعقد فيما يفعلونه وفى الذى يسيرون على ولسلى بعمله وقام بينهم الخطباء والقولون ينادون يا لثارات غردون ولبث ولسلى ينتظر الجواب وقد كان الى ذلك اليوم ( ٥٣ - الكافي رابع )