Sudan Archive

Open the original scan

٤١٢ الحنفية وتوحيد المحاكم المصرية وتشريع شئ جديد يناسب روح العصر فأدهش الناس حضوره اذ البلاد بلاد علم وعلماء الشرع فيها ليسوا بقليلين فلبث سميع الله هذا بالقاهرة أياما زار فيها سائر دواوين الحكومة ورجال الدولة وقاضى القضاء بمصر وأرباب المحاكم الأهلية فلم يظهر للناس من أمره شئ وقد كنت يومئذ رئيسا للنيابة العمومية بمحكمة المنصورة الأهلية فجاءنا الأمر من الوزير نوبار باشا بلقاء الرجل ملاقيناه على الرحب والسعة وجلس يتكلم بالعربية مع غاية البطء والتكلف وعلامات الاعجاب والخيلاء بادية على وجهه فقال - أنتمكم تنظرون المقدمات * يريد هل أنتم تنظرون فى قضايا الأحوال الشخصية وكان يتكلم وهو يقلب صفحات نسخة من القانون الأهلي فقلت ان للمقدمات التي يعنيها الاستاذ محاكم أخرى وقضاة آخرين فقال وكم من المقدمات عندكم اليوم * فقلت لا شئ منها عندنا وكما قلت لك هى من خصائص المحاكم الشرعية فسكت لحظة ثم قال * أنتكم تحكمون بشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم * فقلت قد شغلنا عن الحكم بها شاغل من هذا الذي بيدك وأشرت الى نسخة القانون فدمدم بالهندية وقال أنتكم تجلسون وين فأخذت بيده وأريته قاعة الجلسة وسائر غرف المحكمة فكان ينظر اليها وهو باهت جامد ثم رحل عنا الى القاهرة قيل واجتع بشيخ الازهر وبعض كبار العلماء وحادثهم في شئ من شريعة بلاده وما هو عليه القضاء فى مدن وقرى الهند الانجليزية قالوا وبالغ كثيرا في مدح الامة الانجليزية وفى رجال دولتها ثم رحل عن القاهرة الى عاصمة الانجليز وغاب عنا كما غابت عن الناس نتائج مأموريته * وكان قد حضر قبل سميع الله هذا آخر من الأنجليز اسمه كليففور دليود وهذا قد كانت مهمته تغيير نظامات الحكومة واستبدال عاداتها المعمول بها من القدم بأخرى تناسب روح العصر الجديد وتطبق على المألوف من عادات البلاد والشريعة الانجليزية وتنفيذ ما أسسه اللورد دوفرين من اللوائح وقننه من القوانين فكان الرجل من شر الرجال متسرعا مخاطرا نفورا مختالا مستخفا بعظائم الامور صلفا عنيدا مكابرا فعاث وعبث وجعل يغير من شرائع البلاد ويقلب من عاداتها ويسن البدع ويبدع السنن السيئة وكاتب مشايخ البلاد والقرى ويزين لهم الخروج عن حدودهم التي ألفوها وينظر الى سائر المأمورين وأصحاب الوظائف العالية بعين السخط والقلى ويمد يده الى كل عمل ويقع على المديرين والمأمورين باللائمة والتقريع لأقل سبب واتخذ له مقرا بديوان الداخلية وصار يسمى نفسه فى كل يوم باسم جديد فتارة يقول مأمور الاصلاح وأخرى يقول مستشار الاصلاح وآونة مدير النظام وأخرى منشئ التحسينات المستحدثة وغير ذلك من الاسماء والعنوانات المتشابهة وهو كالهر الذى عثر عليه الاعرابي وقد سماه له الناس بأسماء كثيرة فأكبر ثمنه فلما وجده على غير ذلك ضرب به الارض وقال لا بارك الله فيك ما أكثر أسماءك وأقل ثمنك * وظل كليفور دليود هذا على ما وصفنا من التحرش بسائر أمور الحكومة مع بسط يده على كل شئ حتى ضج الناس ونجوا وصاح المأمورون والحكام صيحة الضجر

Text produced by OCR — report an error