Facsimile · p. 137
١٣١ الخفاء وشاع الخبر فاجتمع الحبشان بالمسجد فلحق بهم العامة وتبعهم أتباع المصلين واقتحموا الابواب وبأيديهم العصى والمساوي وصاحوا في وجوه المصلين وأكثروا من شتمهم وسبهم ثم نما سكو بالاطواق ووقع الضرب واللكم وكثر الصياح وعلمت الاصوات واشتدت الجلبة وتطايرت العمائم عن الرؤوس وتكسرت مصابيح المسجد وأطفئت الشموع فهرب الاساقفة واختفى داود وأصحابه ففتش عليه الحبشان فلم يعثروا عليه فانكفوا وسكنت الفتنة وقد كان لا يظن أنها تسكن وأصبحوا وقد اتفقت كلمتهم على اقامة داود خلفا لبطرس فلما كان يوم الاحد التالى اجتمعوا بالكنيسة الكبرى وبايعوه جهارا وسموه كيرولسا وولوه مطرانا على كرسى مصر ووكيل الكرسى البطريكي فلم يستقربه المنصب حتى قامت الفتنة ووقع الخلاف فتفرقت الكلمة وتحزبت الاحزاب وذهب كل الى مذهب فى أمر كيرولس وكبرت الوحشة بينه وبين فريق منهم وقد كانوا هم مقدمى القوم وأصحاب الكلمة فيهم فحجروا عليه في جميع تصرفاته ومنعوه من النظر فى شئون الملة واشتدوا عليه شدة بالغة فكان اذا أراد النوم لا يجد لرأسه وسادة ولا لجنبيه فراشا واذا جاع لا يطعم الا ما قدموه اليه واذا زاره أحد فلا يأذنون له بالبقاء وهو مع ذلك ساكن البال رائق الحال لا يألو جهدا في تأليف القلوب المتفرقة والنفوس المتنافرة وما زال حتى أفلح فى ضم الكل الى الكل فصاروا على الخير أعوانا وفى ذات الله اخوانا وطرحوا عنهم الخلاف وعادوا الى الاستنجاد بقنصل جنرال الانجليز على تولية كيرولس منصب البطرريكية فأجابهم الى ذلك ومازال بعباس باشا حتى رسم فى سلخ شعبان من السنة أى سنة سبعين ومائتين وألف هجرية بولايته فلما كان تاسع رمضان بايعه الاساقفة في أبهمة زائدة وطيروا الخبر بذلك الى الآفاق وفرحوا بولايته ووفد عليه المهنئون من كل صوب وحدب ولم يمض على ارتقائه منصب البطرريكية أيام حتى مات عباس باشا فاعتقد الناس جمعة ما قاله أصحاب الزايرات وأحلوه محلا * ولما استقر بكيرولس المنصب جمع اليه القلوب المتنافرة واستمال الخواطر المتباعدة وأصلح ما أفسده الحاقد فعال الناس جميعا اليه وأخذوا بكلمته وساروا بمشورته فعهد الى اخراج سلسلة قدماء المصرين من حضيض الجهالة ومهاوى الرذالة الى أوج المعارف والمدن وصروح التعليم والتفنن فأنشأ لهم المدارس وأتى لها بكبار الاساتذة والمعلمين من الفرنسيس والانجليز والايطاليين وعماء العربية وأكثر لها من المعدات والادوات والكتب المرتبة وغير ذلك * وكان المشار اليهم فى تعليم الاطفال يومئذ جماعة من العميان يعرفون باسم العرفان وكان لهم منzلة عظيمة بين الناس وحرمة واسعة وكلمة مسموعة فلما أحسوا بما فضله كيرولس أدركوا ما وراءه من الخيبة وسد أبواب الرزق فى وجوههم فتجردوا الى العداوة وايقاظ الفتنة الراقدة وجعلوا يطوفون البيوت ويحضون آباء الاولاد وأمهاتهم على العصيان وشق عصا الطاعة ويقولون كيف تلقون أولادكم بأيديكم الى التهلكة وصاحبكم كيرولس قد عاقد الدولة على أن يجلد لها من أولادكم ألوفا لتدفع بهم الى حيث لا يعلم