Facsimile · p. 100
٩٤ وتحقق أن ذلك من فعال الامير ابراهيم بالرعية فغضب غضبا عظيما وانتقل من مقره برأس التين الى بيت محرم بك عند المحمودية وأقام هناك أياما وهو يخلط في القول ويكثر من النداء على بعض الخدم ويقول يا الله قد خاني القوم فأيقظوا الفتنة وأبغضوا الناس في وبقى على هذا أياما والناس يقولون بذهاب عقله ولزوم تخليه عن حكم البلاد ثم سار من الاسكندرية الى القاهرة في نفر من الاتباع ونزل بقصره بشبرى فأتى اليه أصحاب الوظائف ورجال الدولة فعنفهم وزاد في توبيخهم رحمة بالرعية فلم يجسر أحد على معاودته وتازت نفس السلطان عبد المجيد لرؤية محمد على باشا فدعاه للحضور الى دار السلطنة فهى مطلب زيارة محمد على باشا دعوته وسار فى سنة اثنتين وستين ومائتين وألف هجرية في قلة من الخدم والاتباع ونزل دار السلطنة وما ضيفا على رضا باشا أحد كبار الدولة وكان رضا باشا هذا من ألد أعداء محمد على باشا ثم لقيه من حفاوة تمثل بين يدى السلطان فرحب به كثيرا فتقدم ليقبل يده فأمسك بيده ورفعه وأجلسه بجانبه ولطفه جدا وحادثه ساعة * قال بعض الكتاب واتفق أنه كان يحادث السلطان يوما فقال له فى أثناء الحديث حفظت يابني وأحسنت * ثم استدرك أن هذا الخطاب لا يليق بأمير المؤمنين فقال ليعف مولى عن زلة عبده فان حبى لابناء مصر قد أجري على لساني مخاطبة الكبير منهم والصغير يابا بنى * فتبسم السلطان وقال لابأس عليك يغفر الله لنا ولك ولبث في دار السلطنة زهاء ثلاثين يوما أنفق فيها من المال ألف ألف قرش ماعدا الهدايا النفيسة والتعابى الغالية والتصدق على المساكين وذوى البيوتات ثم رحل عنها الى قوله مسقط رأسه فمكث بها أياما وأنشأ بها مدرسة للفقراء ودارا للمساكين ورحل عنها راجعا الى الاسكندرية ففرح الناس كافة برجوعه فرحا عظيما ودقت له البشائر وزينت المدينة ثلاث ليال وكذلك زينت مصر والقاهرة والكثير من المدن وأقام يدبر الأمر ويتصرف حتى كثر هذيانه وقل ادراكه فكان لا ينكف عن النداء على بعض حاشيته لغير سبب وكان سريع الغضب يكره أن يرى ولده الامير ابراهيم فاذا راه اضطرب وظهر على وجهه الغضب فانفذ الامير ابراهيم الى دار السلطنة يخبر باهر أبيه وما وصلت اليه حالته ويعلم أهل المابين بوجوب تخليه عن المنصب فاجابه السلطان الى ذلك ورسم له بالولاية على ديار مصر وجاءه الفرمان بذلك ففر فى بقلعة الجبل في مشهد حافل ودقت البشائر وطيروا الخبر الى الآفاق ونقل محمد على باشا الى الاسكندرية وكانت أحب البلاد اليه وقد كثر خاطره وكبرت علته فلما كان ثالث عشر جمادى الأولى سنة خمس وستين ومائتين وألف هجرية في ولاية عباس حلمى باشا الاول مات محمد على باشا وله من العمر ثلاث وثمانون سنة وقيل أكثر من ذلك وكان ولده الأمير محمد سعيد فى صحبته لم يفارقه كل أيام مرضه فبالغ فى جنازته ونقل نعشه الى القاهرة مع التجلة والتكريم في مشهد حافل جدا ودفن بالمقصورة التي ابتناها لنفسه فى جامعه الذى أنشأه بقلعة الجبل ولم يكن قدم بناؤه فحزن عليه أهل القاهرة وسائر البلاد حزنا عظيما لاجتماع القلوب على محبته * وكان رحمه الله أبيض اللون مشر با