Sudan Archive

Open the original scan

ابن تومرت بمعزل عن هذا العامل الأساسمي ف توليدها وبنائها .

ونضيف الى هذا العامل الأساسى عاملاً آخر مهياً هو ما توفر للمهدي من مصادر للعلم مختلفة ومتنوعة » فقد وقف على الفقه المالكي بحكم انتشاره بالمغرب » ووقف على الفقه الظاهري بحكم انتشاره بالأندلس وقد كان مر بها وربما درس فيها . ووقف بالمشرق على الفقه الحنفي والشافعي . كما أنه درس أو اطلع على مختلف المدارس فى العقيدة الحزمية بالاندلس . والاشعرية والاعتزالية والشيعية بالمشرق . حيث كانت بغداد تعج بهذه الاتجاهات . وتحفل بالحوار القائم بينها من جهة » وبينها وبين الأديان والمذاهب غير الاسلامية من جهة أخرى . وقد أكسب المهدى هذا التنوع والتعدد فى مصادر العلم مرونة عقلية وتحرراً من الانغلاق المذهبي . فكانت أراؤه متنوعة ٠‏ غير مترتبة بحسب المذاهب . وانما هي مترتبة بحسب ما يراه حقاً » وبحسب ما يخدم غرضه الاصلاحي .

وقد كانت الثقافة الاجتاعية الواقعية التي توفر عليها ابن تومرت عاملاً آخر من عوامل أرائه© . فقد كان الرجل شديد الصلة بحياة الناس كما تثبت الاخبار الواردة في ترحمته . المتوفرة لدينا بغزارة منذ شروعه في العودة الى المغرب من رحلته المشرقية » والذي أحكم تلك الصلة هو التزامه الدائب بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المتكر » فخبر بسبب هذا التمرس أحوال الناس ظاهرها وباطنها » ووقف على منازعهم النفسية بما تنطوي عليه من نقاط القوة والضعف . ورت العيوب والأمراض التي هم مصابون بها والعلل والأسباب التي أتوا منها حاكياً ومحكوماً .

واعتباراً لهذه الأمراض وأسبابها جعل المهدي يكيف من آرائه ويصوغ منها بحسب ما يؤدي الى العلاج » وكانت ثقافته الاجتاعية هذه عاملاً مه| من عوامل آرائه ف الدعوة وطرقها خاصة .

يختلف هذا العامل عن العامل الذي ذكرناه أولاً » فالأول هو تأثر الآراء بحسب ما يقتضيه الاصلاح للواقع )2( المنحرف . وهذا العامل هو تأثر الآراء بما يحصل من علم بواقع الناس وأحوالهم . ومثاله أن من أراد صنع آنية من طين تكون خطته مصاغة بعاملين : الأول العلم بطبيعة الطين وخصائصه ( ويقابله العامل الذي نحن بصدده ) والثاني . العلم بالغرض الذي من أجله تصنع الآنية حتى يقع الصنع بحسبه .

330

Text produced by OCR — report an error