Facsimile · p. 394
٣٨٨ عن الخرطوم وعادتهم الى مصر على نفقة الخزينة فصدعوا كذلك بالامر صاغرين وأخذ الناس في الجلاء الى بربر وأحصوا النازحين يومئذ فكانوا زهاء مائتي ألف وخمسين ألفا وشاع خبر ذلك في البلاد شرقا وغربا فأجمع الناس من ذلك اليوم على طاعة الخارجي والاسراع الى متابعته فكانوا يجتمعون فى القرى والبلدان ويضربون الطبول ويخلعون أثوابهم ويلبسون المرقعات التي هي شعار المهدوية ووفدون الوفود الى حيث الخارجي ليبايعوه ويأخذوا عليه العهد فتم الى هذا الحين سقوط هيبة الحكومة المصرية وزوال سلطانها وذهاب نفوذها وصار حكام البلاد يذهبون بما لديهم من الاموال الى مقر الخارجي تزلفا وتقربا منه فكان يمنيهم بالأماني الكثيرة وكان ممن سلم وترلف وبالغ في ذلك جدا سلاطين باشا ومن كان معه من كبار العساكر وأسلم يومئذ ونطق بالشهادتين على يد الخارجي ولازم باب الخليفة التعايشى قال صاحب كتاب السودان أما مقدمو العسكر فقد فعل بهم المهدى من القساوة والتعذيب والضرب بالسياط ما تقشعر لسماعه الأبدان وصــــــل (في ظهور الفتنة بالسودان الشرقي) قد كانت الفتنة الى هذا الحين فى السودان الشرقي نائمة ولم يحرك أحد من القبائل لها ساكنا وكان بقرية الذاهر على ساحل النيل شيخ من أرباب الطرق اسمه الطاهر المجدوب وكان محبوبا موقرا معظما عند أهل السودان الشرقي مسموع الكلمه عند الولاة والحكام وافر الهيبة معززا فأرسل اليه مدعى المهدوية يدعوه الى للقائه ويشرح له كيفية مهدويته ويسأله الانضمام الى خلفائه هو ومن معه من المريدين ومشايخ الطرق ويستحثه على الخروج على عمال الحكومة وأجازه بمبايعة الناس وخاطبه بألقاب الامارة على السودان الشرقي جميعه فبعث اليه الطاهر بجماعة من مريديه يتقدمهم رجل اسمه عثمان دقنه بن أبى بكر دقنه وهو من التجار الكبار كانت له أملاك واسعة بسواكن وسواها فذهبت أمواله وبيعت أملاكه لاسباب سياسية لا محل لسردها هنا وكان عثمان دقنه هذا يحمل كتابا من الشيخ الطاهر الى الخارجي يقول فيه ان عثمان هذا من خيرة مريديه ومن أصدق أتباعه وانه من أولى العزم والحزم وانه أجدر بامارة شرقي السودان منه يعنى من الشيخ الطاهر وان الشيخ لا يأنف من أن يكون تابعا لافضل مريديه وانه سيكون هو مستشاره ومدبر أموره والناصح لسائر أتباعه بالقيام بنصرته ومؤازرته وأنه لم يكن من مانع من قبول منصب الامارة لنفسه سوى الشيخوخة والعجز عن الحركة التى يستلزمها هذا المنصب الخطير فلما وفد عثمان دقنه على الخارجي أكرم الخارجي وفادته وبالغ في الاحتفاء به وسأله عن الحال فى شرق السودان قيل فهون عليه وقال ياسيدى الناس طرا طائعون لك واهبون ارواحهم