Facsimile · p. 393
۳۸۷ لاحراله بها فنادى في أصحابه بالخروج عليهم فأبقوا عليهم من كل جانب وأجملوا فيهم السيف فلم يقدروا على الدفاع ولم يسمع لهم صوت مدفع ولا بارودة حتى أفتتهم سيوف العدو ولم يبق منهم الا بضع عشرات ممن اختفى بين الأشلاء وأضر الخارجي أتباعه فجعلوا يحرقون جثث القتلى من أعدائهم معلنين ذلك بأنهم كفار وقتلوا علاء الدين وهيكس شر قتلة * قلت هذه رواية * وفى أخرى أنه لما خرج الجيش من أم درمان على ما تقدم ذكره سار الدليلان أمامه في طريق كثير الغابات شديد المرابك والعقبات قليل الماء والرواء والعدو من خلفه وعن يمينه وعن شماله يثب على مربع العسكر كل حين وهم يجدون المسير رجاء أن يدركوا الماء ويرووا بعض ما بهم من الظمأ فلم يمكنهم العدو من ذلك وقد قل علف دوابهم فكثر فيها الموات وضعفت عن حمل أثقالهم وجرت مدافعهم ثم نفشت في العسكر الامراض العفنة وأنشب فيهم الموت أظافره ولما كان كلهم أو جلهم من الذين كانوا في مظاهرات الثورة العرابية وكان كبارهم ممن حكم عليهم بالتجريد من الرتب وألقاب الشرف وكان انتظامهم في هذا الجيش انما هو بإيعاز من صاحب السياسة الانجليزية ولنكذ حظهم كان ما كان من سوء تدبير الجيش وتغرير الدليلين بعلاء الدين وهيكس أيقنوا جميعا بأنهم انما هم مسوقون الى الموت لا محالة فانقضوا وعصوا كبارهم وأكثروا من سبهم وتعنيفهم وضر بهم قيل وهموا بقتلهم مرارا وما زوالوا على هذه الحال من الظمأ والتعب والعدو من أمامهم ومن خلفهم وعن يمينه وعن شمالهم وهم لا يقدرون على دفعه حتى نزلوا على غدير شيكان فشربوا ما فيه وأكلوا من طينه وأوحاله وعيون العدو ترمقهم حتى أيقنوا أنه لم يبق فى أحد منهم شئ من القوة يدفع بها قاتله فانقضوا عليهم وهم كالاموات وأعمالوا فيهم السيف حتى لم يبق منهم الا نفر قليل ممن اختبوا بين جثث الاموات وقتلوا هيكس وعلاء الدين وجمعوا السلاح والمتاع والمدافع وما بقى من دوواب الجمل وقفوا راجعين الى الابيض فرسم الخارجي بتقسيم الاسلاب والغنائم على المجاهدين والانصار والخلفاء * وجاء الخبر الى القاهرة بما أصاب جيش هيكس فكان لذلك رنة حزن وأسف شديدين وكثر البكاء والعويل فى بيوت الضباظ وكبار الجند وجلس الناس للعزاء أياما وظن أهل الخرطوم أن الخديوى لا يلبث أن يعيد عبد القادر باشا فى عسكر جرار للاخذ بالثار وشاع بينهم أيضا خبر عزم سياسة الانجليز على ارسال غردون قائدا على ذلك العسكر فجعلوا يحجون ويتهاون الى الله بتحقيق هذا الخبر واختلط الحال على الخديوى ورجال دولته فجعلوا ينقضون اليوم ما أبرموه أمس ويتخبطون في العمل كمن فقد الرشد ووزير السياسة الانجليزية يضرب على أيديهم ولا يمكنهم من أخذ أو رد فكانوا اذا قاموا أقعدهم واذا قعدوا أقامهم واذا قالوا عاب عليهم قولهم واذا عملوا رماهم بالعسف حتى جاءهم مرسومه بالتعجيل في اخلاء الدويـم وفشـوده والکوه والجلاء عنها وتركها الى الخارجي والاتيان بحاميتها الى الخرطوم فصدعوا بالامر فلم يتم الجلاء عن هذه البلاد حتى جاءهم الامر أيضا بإجلاء سائر المصريين