Facsimile · p. 382
٣٧٦ البلاد بعيدين عن الجور والاعتساف . فلما مات محمد على باشا وجاءت أولاده من بعده كان أكثر عمالهم أغرارا كثيرى الجور والظلم ميالين الى أخذ ما بأيدى الناس مع غلظة وتجبر وكان آخر من تولاها على عهد محمد سعيد باشا سنة أربع وسبعين ومائتين وألف هجرية حسين سلامة بيك . قال صاحب كتاب السودان : كان نعم الرجل عادلا شفوقا على الرعية * وكان يسمى يومئذ مدير عموم قبلي وبحرى السودان وبقى الرجل وبقيت الولاية بهذا الاسم حتى تولى الملك الخديوى اسمعيل فجعل يستدل ويغير فى الولاية وليس بينهم من تحمد أيامه أو تشكر أحلامه الى أن تولاها جعفر باشا المعروف بالصغير فكان رجلا عادلا شفوقا بارا بالرعية عارفاً بحاجة البلاد وأهلها فأقام ما شاء الخديوى ثم عزل وخلفه عدة من الولاية على التعاقب فكان آخرهم قبل غردون الانجليز اسمعيل أيوب باشا وفى أيامه بلغت سلطة الخديوى فى تلك الانحاء أوجها وعمت كلمته أرجاء السودان شرقا وغربا وجنوبا اذ تتابعت غزوات عسكره وأوغلت فى أقاصى البلاد طلبا للمزيد من الفتح فكان أصحاب سياسة الانجليز وأقطاب القوم منهم ينظرون الى فعاله بعين السخط ويحسبون لها حسابا كبيرا وجعلوا يعملون على ما تقتضيه مصلحتهم ويتدبرون لمستقبل الايام فأرسلوا الكشاف والرواد من طريق الزنجبار ورأس الرجاء بعضهم فى زى المبشرين بالنصرانية وبعضهم باسم علماء الآثار وأصحاب علم طبقات الارض فلم يتم لهم ما أرادوا فعمدوا الى الحملة والتدبير وجاؤوا الخديوى اسمعيل من أقرب المسالك وأحبها اليه فزينوا له المزيد من فتح تلك الأصقاع واستكشاف مجاهل خط الاستواء وما فى جوف أرضه من معادن الذهب والفضة والحديد والفحم وما زالوا به حتى ظفروا منه بغيتهم وساعدهم على ذلك ما كان فيه يومئذ من التورط في الدين لاصحاب الأموال من الانجليز والفرنسيس ثم انهم سيروا اليه رجلا من أقيالهم العارفين بمناحى سياستهم ومرامى غايتهم اسمه السير صمويل بيكر فتلقاه الخديوى على الرحب والسعة فأقام بالقاهرة أياما وكان قد أتى معه من ديار الانجليز بشئ من الهدايا والتحف برسم زعماء قبائل السودان ومشايخ أهلها وأدلاء دروبها ومسالكها وهي أصناف من الخرز والجلود المصنوعة والفراء والقبعات الحمر والأساور والاقراط والخواتم والقلائد من الصفر والاحذية وشقق الكتان والخناجر والسكاكين والشئ الكثير من ألاعب الأطفال كالاكر والمزامير والصفافير والعصى والسياط فاستحب كل ذلك وبارح القاهرة على عجل وما برح سائرا حتى تغلغل فى جوف السودان وأوغل فى مجاهل خط الاستواء فبحث ونقب وراد الطرق واستكشف المسالك واستمال بعض زعماء القوم وعرف الشئ الكثير من طباعهم وعاداتهم وما يميلون اليه وما ينفرون منه قيل وعاهد بعضهم على الولاء والاخلاص للسلطنة الانجليزية وعاقدهم على ما لم يصل الينا معرفته وبعد أن لبث بتلك الأصقاع ما شاء هو أو ما شاء صاحب سياسة الانجليز قفل راجعا الى قومه بسلام فلم تكن الا فترة بعد ذلك حتى