Facsimile · p. 21
- ١٧ -وجوب اعطاء الحرية للجرائد في هذه البلاد . فانه لم يكن بين الأمور ابسط من الوقائع والحقائق المتعلقة بمسألة النزاع على حدود سينا ولا أوضح من كون السياسة التي جرت الحكومة البريطانية عليها في تلك المسألة صادرة عن رعاية حقيقية لمصالح مصر ومصالح اوربا عموماً ايضاً كما اعترف سمو الخديوي نفسه بانه قد استشير فيها من اولها وكان يستشار في كل مرحلة من مراحلها فيعرب عن استصوابه التام للخطه المتتبعة فيها لكونها مطابقة لمصالح مصر مطابقة جلية . ومع ذلك كله انزلت تلك الجرائد السياسة التي جرت الحكومة البريطانية عليها منزلة الاشارة الشفوه على رئيس الديانة الاسلامية وصاحب السيادة على الديار المصرية وافرغت كل جهدها في اثارة الأحقاد الحسية والملية . نعم ان ذلك الهيجان كان سطحياً واكثرة تكاثف وتصنع . اذ اعقل المصريين واكثرهم نفوذاً ووجاهة لم يكونوا يرون آراء كتب الجرائد العربية نظراً واشدم عرفاً ولا آراء الخطباء الذين كانوا يخطبون في الاجتماعات ويدون من الآراء التي لا تنشر في الجرائد ما يطابق آراء حزب الجامعة الاسلامية أكثر من الآراء التي تتفهمها مقالات الجرائد . ولكن ذلك الهيجان اثبت امريين اولهما ان السواد الاعظم من المصريين لا يزال من اعظم الناس تصديقاً لما يقال له . وثانيهما ان المهيجين لا يراعون مبدأ ولا يترددون فيه سلوك كل طريق يجدونها للقويه على الكثيرة التصديق وتهيجهم واحقادهم . فلا حرج على من يستنتج من هذه الامور كلها وجوب تضييق حرية الجرائد . اما انا فلا اطيل الكلام بل اقول اني استنتجت نتيجة أخرى مختلفة عن تلك النتيجة وهي ان الحامية البريطانية في القطمر المصري لتكون زيادتاً لضمان حفظ النظام العام والنفقة والاطمئنان في نفوس المحافظين على القانون من السكان . فتأتى عن ذلك ان حمل المصروفات زيادة ٤٠٠٠٠ جنيه في السنة على عاتق المصريين الذين يدفعون الضرائب . وذلك مما يقضي بالاسف الشديد لا سيما وان الحرية المصرية لا تكاد تنهض بايضاً كل ما يطلب منها من كل جهة للصرف على امور عديدة تعود بالخير على القطمر كاسهاب في كلامي عن الحالة المالية . ولكي لا ريب عندي في ان زيادة الحامية كان امرا لازمًا لضمان السكون العام مما قلت ايضاً ولاظهر امر آخر وهو انه لما كانت السياسة البريطانية في مصر مبنية على حالة لا تقبل التغيير اذا كان تدريجيا وبطيئاً جداً فاضطراب الرأي العام برمته من الزمان لا يؤثر فيها ولا يقلق الاحتلال البريطاني مطلقاً .
( ۳ )